حماية الصحفيين أثناء النزاعات المسلحة
Loading...
Date
Authors
Journal Title
Journal ISSN
Volume Title
Publisher
Abstract
إن المتأمل في حروب العصر الحديث يدرك مدى الدمار الهائل، ومدى فظاعة الماسي التي جرتها النزاعات المسلحة على المجتمعات والحروب تكشف درجة عشوائية الهجمات التي تقوم بها الأطراف المتنازعة، وتترك دليلا لا يقبل الشك والجدال على أن الأسلحة الحديثة التي تستخدم في النزاعات المسلحة هي في معظمها أسلحة دمار شامل لا تميز بين المقاتل و غير مقاتل.
لقد أصبحت الآلة العسكرية تحصد أرواح المدنيين بالجملة، لا تفرق بين صغير وكبير ولا بين مقاتل ومدني، حتى أصبح المدنيين يشكلون العدد الأكبر من ضحايا أي نزاع مسلح في عصرنا الحديث، ومن هؤلاء الضحايا، هناك فئة تتعرض للانتهاكات بسبب طبيعة عملهم، والتي غالبا ما تكون انتهاكات مقصودة، إلا أنها تختلف عما سواها من المدنيين، كونها تلقي بنفسها في رحى المعركة، وتتواجد دائما في الصفوف الأولى من صفوف الاقتتال الدائر بين الأطراف المتنازعة، ليس رغبة منها في الاشتراك في هذا النزاع، ولا رغبة منها في بث الدعاية لصالح طرف دون الآخر، ولكن دافعها الأساسي هو متابعة الحروب والطريقة التي تسير بها، ونقل ما يحدث في ساحات القتال إلى العالم، ليراه بعين الاهتمام والمراقبة وللوقوف على ما يحدث في هذه النزاعات من انتهاكات لأحكام القانون الدولي الإنساني.
إن الانتهاكات المقصودة والمتعمدة قد أكدت وبشكل قاطع عدم التزام أطراف النزاع بالقوانين الدولية التي تحكم خوض الحروب، أو تلك التي تضفي الحماية القانونية الدولية على فئات معينة من غير المشاركين في هذه الحرب ، بحيث سجلت المنظمات الحكومية و غير الحكومية خروقا عمديه لقواعد القانون الدولي الإنساني، كالقتل المتعمد للصحفيين و ضرب مقراتهم والاعتداء على وثائقهم المهنية. إزاء ذلك، كان لا بد من مساءلة أطراف النزاع عن هذه الانتهاكات بحيث تقيد هذه المساءلة أطراف النزاع ولا تترك لهم الحبل على الغالب في قتل من تشاء من البشر دون أن تكون هناك مسؤولية على أعمالهم تلك.
ولعل ذلك ما دفع المجتمع الدولي إلى إيجاد فكرة المحكمة الجنائية الدولية، كالية عالمية دولية عملية، يتم من خلالها مساءلة الأفراد المسؤولين مساءلة جنائية عما يرتكبونه من انتهاكات الأحكام القانون الدولي الإنساني أثناء النزاع المسلح، وذلك في حالة ثبوت قيامهم أو ثبوت مسؤوليتهم عن هذه الانتهاكات، وليقدم الصحفيين دورا في تثبيت تلك المسؤولية بما يملكون من شهادات و صور أثناء النزاع المسلح، وذلك في محاولة من المجتمع الدولي للتخفيف من ويلات الحروب أكبر قدر ممكن، وحماية الفئات غير المشاركة فيها من آية انتهاكات قد توجه ضدهم في خضم هذه الحروب، والتي أصبحت لا تفرق بين مقاتل وغير مقاتل، وفي غمرة هذه الأحداث تبرز من بين الفئات المحمية، وتحديدا من فئة المدنيين ، طائفة تسعى دائما إلى تغطية أحداث النزاع المسلح، ونقل ما يحدث في ساحاتها إلى العالم الذي يهتم بالتواصل مع هذه الحروب أولا بأول، إنهم طائفة الصحفيين الذين أضفى عليهم القانون الدولي الإنساني صفة المدنيين، رغم الاختلاف الجوهري بين الصحفي والمدني تجاه النزاع المسلح، حيث إن الأول يزج بنفسه في ساحة المعركة بحثا عن الخبر، بينما يسعى الثاني إلى الهروب من ساحة المعركة بحثا عن النجاة ، و بالتبعية يقتضي الأمر توفير حماية خاصة مميزة للصحفيين، بسبب الحاجة الماسة إلى مثل هذا العمل بسبب الدور الذي يلعبه في كشف الجرائم التي تركب أثناء الحروب، ورغم دور القانون الدولي الإنساني في التخفيف من ويلات الحروب وآثارها على الفئات المستضعفة، إلا أن دوره لا يزال غير مكتمل بخصوص توفير حماية مميزة للصحفيين أثناء النزاعات.
وكذلك تبرز أهمية حماية مقرات هؤلاء الصحفيين بصفتها أعيانا مدنية ضرورية لاستمرار ممارسة الصحفيين لمهامهم أثناء النزاعات المسلحة فالحديث عن الصحفيين، لا بد وأن يطال الحديث عن مقراتهم الصحفية، على اعتبار أن كليهما يعمل كوحدة واحدة في العمل الصحفي ، فالصحفي لا بد له من مقر الممارسة مهنته وكذلك فإن مقر الصحافة لا يمكن له أن ينتج دون أن يعمل الصحفيون من خلاله من هنا كان التلازم بين الصحفيين ومقراتهم الصحفية في انجاز الأعمال الصحفية.
إن الغرض من هذه الدراسة هو الوقوف على عدم كفاية الحماية التي يقررها القانون الدولي الإنساني للصحفيين ومقراتهم الصحفية أثناء النزاعات المسلحة، ومدى فاعلية هذه القواعد القانونية الدولية المقررة في توفير الحماية، وذلك من أجل اقتراح مشروع اتفاقية دولية أو تطوير مشروع بروتوكول إضافي جديد يضاف لاتفاقيات جنيف يحتوي في طياته الآليات والوسائل التي تضمن حماية الصحفيين ومقرات الصحافة أثناء النزاعات المسلحة بهدف تجنب انتهاك حقوقهم أثناء أداء مهامهم أثناء هذه النزاعات المسلحة وذلك هو الغرض من هذه الرسالة التي حددت إشكاليتها ب: ما هي الحماية القانونية الدولية التي يتمتع بها الصحفيين ووسائل الإعلام أثناء تأدية مهامهم في مناطق النزاع المسلح الدولي؟ وتتفرغ هذه الإشكالية إلى عدة تساؤلات هي ما مدى مشروعية العمل الصحفي أثناء النزاعات؟ ما هي مراحل الحماية الدولية للصحفيين ومقراتهم أثناء النزاعات المسلحة في القانون الدولي الإنساني ؟ وما مضمون هذه الحماية الدولية للصحفيين ومقراتهم في القانون الدولي الإنساني أثناء النزاع المسلح أو أثناء وقوعهم في قبضة أحد أطراف النزاع ؟ ومتى يفقد الصحفيون أو مقراتهم الحماية الدولية المقررة لهم في قواعد القانون الدولي الإنساني ؟ ما هي الانتهاكات التي ترتكب ضد الصحفيين؟ وهل يمكن اعتبارها جرائم و ما هي المسؤولية الدولية المترتبة على مخالفة قواعد القانون الدولي الإنساني وهل يمكن المطالبة بالتعويض عن ذلك ؟ وما هي الالتزامات المفروضة على الدول الأطراف في النزاع المسلح أو على الصحفيين أنفسهم لتسهيل قيامهم بمهامهم وتوفير حمايتهم؟
وقد اعتمدنا في تحرير هذه الرسالة على المنهج التحليلي من أجل تحليل الموضوعات محل البحث ثم ردها إلى أصولها الكبرى، الذي تتلخص وظيفته في تحليل شامل منظم لظاهرة معينة ومضمونها والحقائق المتعلقة بها من خلال إخراج معطيات هامة متعلقة بالظاهرة محل الدراسة سيحاول الباحث الإفادة من هذا المنهج في دراسة مضمون الحماية الدولية للصحفيين في النزاعات المسلحة من خلال تحليلها في اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 ، وفي البروتوكول الإضافي الأول.
ولأجل الإجابة عن الإشكال المطروح قسمنا هذه الرسالة إلى ثلاثة أبواب، و اعتمدنا على هذا التقسيم بسبب أن هناك معلومات نظرية ومفاهيم أولية وتعريفات ضرورية كثيرة يجب أن تعتمد في الموضوع ، فخصصنا باب تمهيديا لتوضيح المفاهيم التي لها علاقة بالموضوع كالقانون الدولي الإنساني، والمقصود بالصحفي ومهنة الصحافة والإعلام، والمقصود بالنزاع وأنواعه حتى تدرس الحماية أثناء النزاعات المسلحة الدولية دون غيرها، ومشروعية العمل الصحفي في مناطق النزاع، ودرسنا في الباب الأول الحماية القانونية للصحفي أثناء النزاع المسلح الدولي وكيفيه توفيرها، وفي الباب الثاني حماية مقرات الصحافة من الاعتداءات والمسؤولية المترتبة عن انتهاك الحماية المقرر للصحفيين ومقراتهم وإمكانية التعويض عن ذلك كما وضحنا كيفية الاستفادة من شهادة الصحفيين عن الجرائم التي يشهدونها، أمام القضاء الدولي.
وفي نهاية هذه الدراسة توصل الباحث إلى مجموعة من النتائج والتوصيات تم إدراجها ضمن الخاتمة، حاول الباحث من خلالها الإشارة إلى الثغرات القانونية في التشريعات الدولية الإنسانية التي تحمي الصحفيين ومقراتهم الصحفية أثناء النزاع المسلح ووضع اقتراحات وتوصيات لسد هذه الثغرات ليتم من خلال ذلك توفير حماية أكثر أمنا لهذه الفئة من المدنيين أثناء النزاعات المسلحة بشقيها الدولي والداخلي، ومن أهم هذه النتائج التي توصل إليها الباحث من خلال دراسته.
يوصي الباحث المجتمع الدولي بإنشاء جهاز دولي خاص مرتبط بالمنظمة الدولية للأمم
المتحدة وتكون من مهام هذا الجهاز الإشراف على تدريب الصحفيين على ممارسة مهنتهم أثناء النزاعات المسلحة وتوعيتهم وتعريفهم بمدى خطورة هذه النزاعات على حياتهم.
. شرح وتوضيح أحكام الاتفاقيات الخاصة بالقانون الدولي الإنساني والتي تطبق أثناء النزاعات المسلحة حتى يتمكن الصحفي من ممارسة مهنته بوعي قانوني.
. يناط بهذا الجهاز مهمة إعداد التقارير الأولية عن الانتهاكات التي ترتكب بحق الصحفيين ومقراتهم الصحفية، وجمع المعلومات المتاحة والتأكد منها، ثم رفعها إلى لجنة تقصي الحقائق المشكلة بموجب أحكام المادة التسعون من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977م ومتابعة إجراءات ونتائج التحقيق الذي تختص به اللجنة المذكورة.
تكليف هذا الجهاز بتحريك الدعاوي أمام القضاء الدولي بصفته ممثلا للصحفيين بحق مرتكبي الانتهاكات.
يوصي الباحث المشرع الدولي الإنساني بضرورة تعديل أحكام البروتوكول الثاني، وذلك توسيع نطاق تطبيقه بحيث يشمل كافة الاضطرابات والتوترات الداخلية التي قد تتسبب بمعاناة للأشخاص من غير المشاركين في النزاع، وعدم استثناء أي نوع من أنواع العنف.
يدعوا الباحث المشرع الدولي الإنساني إلى ضرورة وضع تعريف واضح ومحدد للصحفيين ومقراتهم الصحافية ضمن أحكام البروتوكولين، وكذلك النص صراحة على اعتبار الصحفيين من الفئات غير المشاركة وإفراد أحكام خاصة لحمايتهم نظرا للفارق بينهم وبين المدنيين تجاه النزاع المسلح كما سبقت الإشارة إليه، وليس مجرد الاقتصار على اعتبارهم أشخاصا مدنيين.
يدعو الباحث كافة أطراف النزاع سواء الدولي أو الداخلي، إلى ضرورة التقيد التام بأحكام المادة الثانية والثمانون من البروتوكول الأول الخاص بتعيين المستشارين القانونيين، نظرا لما يشكله هؤلاء المستشارين من رقابة قانونية وقائية على تصرفات القوات التي ينتمون إليها وعلى هذه القوات الرجوع إلى المستشارين القانونيين عن كل تصرف حفاظا على قانونية هذا التصرف، وبالتالي تجنب أية انتهاكات قد تحدث أثناء قيامهم بالعمليات العسكرية.
عدم قبول عضوية أية دولة أو جماعة مسلحة من أطراف النزاع المسلح ممن تنطبق عليهم شروط تفعيل أحكام القانون الدولي الإنساني ما لم يقدم هذا الطرف ما يفيد بالدليل القاطع قيامه بتعيين مستشارين قانونيين ضمن إطارات قواته المقاتلة.
يدعو الباحث المجتمع الدولي ممثلا بالجمعية العامة للأمم المتحدة إلى ضرورة إجراء مراجعة
شاملة لأحكام القانون الدولي الإنساني، وإقرار مشروع اتفاقية خاصة بحماية الصحفيين ومقرات الصحافة، تسمى اتفاقية جنيف الخامسة لحماية الصحفيين ومقرات الصحافة أو إقرار مشروع بروتوكول ثالث ملحق باتفاقيات جنيف الأربع يسمى البروتوكول الإضافي الثالث المتعلق بحماية الصحفيين ومقرات الصحافة أثناء النزاعات المسلحة الدولية والداخلية.
وأخيرا يأمل الباحث أن تكون هذه الدراسة قد تناولت الموضوع بالشكل المطلوب قدر الأمان
وأن تكون قد أضافت ولو شيئا يسيرا إلى المكتبة القانونية العربية نظرا لقلة الدراسات القانونية الباحثة في هذا المجال، وكذلك قلة المراجع المتخصصة التي يمكن الاعتماد عليها في إعداد هذه الدراسة.
وكغيرها من الدراسات والأبحاث، لن تكون هذه الدراسة كاملة، فلابد أن ينتابها شيء من النقص هنا أو هناك لأنها من نتاج البشر.
إلا أن الباحث يأمل أن يكون قد وضع لبنة تصلح كأساس للبناء حول هذا الموضوع، وعلى أمل أن تأتي الدراسات اللاحقة لتسد النقص الحاصل في هذه الدراسة
