جريمة تبييض الأموال

Abstract

استطعنا من خلال هذه الدراسة رفع اللبس أو الغموض الذي شاب بعض الدراسات بخصوص تاريخ الظاهرة، وقلنا حينها أن الأنشطة باعتبارها مجرد ظاهرة قديمة قدم حاجة الإنسان الإخفاء مصادر عائداته الاجرامية واستخدامها فيما بعد في أنشطة مشروعة، على أنها حديثة بالنظر إلى المصطلح المستعمل من جهة وكذا حداثة العهد بالتجريم من جهة أخرى. المشرع الجزائري وعلى غرار كثير من التشريعات العربية لم يعن بادئ الأمر بتجريم الظاهرة على أن تحولات مفاجئة شهدتها المنطقة بصفة عامة والجزائر خاصة، وما تبعها من ضغوط دولية جعل البعض منها يتصدر قائمة الدول غير المتعاونة سارع الى تجريم الظاهرة سنة 2004 بموجب القانون رقم 15/04 المعدل والمتمم لقانون العقوبات. بينا أن ظهور هذه الأنشطة وانتشارها لم يكن بسبب الزيادة في حجم ونوع الأنشطة الاجرامية بما في ذلك التجارة غير الشرعية للمخدرات والسلاح فحسب بل جاءت وانتشرت بفعل عوامل أخرى عديدة منها على سبيل المثال، فساد بعض المسؤولين بالإضافة إلى إفرازات العولمة وما ترتب عنها من تحرير للمعاملات وإذابة الحدود بين الدول ليصبح عالم اليوم أشبه بقرية كونية تعيش بسبب ثورة الاتصالات والمعلومات في تبادل وتكامل حي ومستمر، وما عاد بإمكان دولة أن تعيش كجزيرة منعزلة بمنأى عن تأثير التحولات والتغيرات العالمية يضاف الى ذلك عمق الهوة بين الاقتصاد والأخلاق حيث تلاشت الكثير من المبادئ والقيم كانت سببا في انتشار الظاهرة.. خلصنا كذلك الى حقيقة بالغة الأهمية وهي ضرورة تجريم تبييض الأموال بالنظر لتلك المبررات التي ساقها الفقه من جهة ولثبوت عجز الاوصاف الجنائية التقليدية وكذا النصوص العقابية - أيا كانت عن استيعابها لهذه الأنشطة، هذا وإن كانت التشريعات الجنائية لعديد من البلدان قد استجابت لتلك النداءات وحرمت الظاهرة بموجب نصوص خاصة، على أن سلوكها هذا لم يكن جريئا وكان يكتنفه الكثير من الغموض والتردد، هذا وقد تراجعت تشريعات وامتنعت أخرى عن تجريم الظاهرة غير مبالية بتلك النداءات ما جعلها تتعرض لضغوط دولية أجبرتها على هذا السلوك، كل هذه المعطيات توحي أن تجريم تبييض الأموال لم يكن عاديا أو طبيعيا كباقي الأنشطة المراد تجريمها. كشفت هذه الدراسة من خلال عرضنا لموضوع البناء القانوني لجريمة تبييض الأموال، أن الجريمة كغيرها تقوم على ركنين جوهريين أحدهما مادي والآخر معنوي، ولكونها من عداد الجرائم التبعية يشترط لقيامها بالإضافة إلى ما سبق شرط مفترض يشكل الأرضية أو بالأحرى الجريمة الأولية مصدر العائدات الإجرامية، كما لمسنا - ولو باليسير - تميزا في كل ركن من أركان هذه الجريمة مقارنة بسائر أنواع الجرائم الأخرى. كشفت الدراسة أن المشرع الجزائري وعلى غرار جل التشريعات المقارنة، سن بالإضافة إلى القواعد الردعية ذات الطبيعة العقابية قواعد أخرى ذات طبيعة وقائية، الغاية منها منع وكشف هذا النوع من الأنشطة لتفادي ما قد يترتب عليها من آثار حالة وقوعها. خلصنا كذلك أن تدابير الوقاية المنصوص عليها في القانون ذات طبيعة الزامية يترتب على مخالفتها أو عدم القيام بها جريمة في حق فاعلها، وعلى هذا ليست التدابير الوقائية مجرد حق للمؤسسات المالية يجوز لها القيام بها أو عدم القيام بها، ولكنها واجب يقع على عاتقها، على أنه من المفيد التمييز بين مخالفة تلك التدابير من جهة وجريمة تبييض الأموال، فهي وإن اعتبرت في أغلب الحالات جريمة غير أنها لا تعد من قبيل أنشطة تبييض الأموال. خلصنا كذلك أن جل التشريعات بما في ذلك المشرع الجزائري، لم تكتف بسن تدابير وقائية من أنشطة تبييض الأموال، بل انشات لذلك هيئات رسمية يناط بها كشف هذه العمليات وتلقي إخطارات الاشتباه وعند الاقتضاء تبليغ النيابة العامة بالحالات التي تتضمن أدلة على وجود عمليات تبييض أموال. بينت الدراسة أن جريمة تبييض الأموال وبالنظر للعقوبات المقررة لها توصف وفقا للتشريع العقابي الجزائري بالجنحة بما في ذلك الحالات المشددة لها، مع ملاحظة أن الحد الأدنى المقرر لهذه الجريمة هو الحبس لمدة خمسة سنوات، هذا وقد رصد المشرع الجزائري عقوبات خاصة لهذه الجريمة بصرف النظر عن الجرائم الأولية مصدر العائدات محل التبييض جناية كانت أو جنحة خلافا لبعض التشريعات التي قرنت عقوبة هذه الجريمة بتلك المقررة للجريمة الأولية مصدر العائدات. المشرع الجزائري وعلى غرار كثير من التشريعات قرر مساءلة الاشخاص المعنوية فيما لو ارتكبت هذا النوع من الجرائم على أن يتم ارتكاب هذه الجريمة بواسطة أحد أعضاء أو ممثلي الشخص المعنوي والحسابه، وفي مجال العقوبات قرر المشرع عقوبات تتناسب وطبيعة هذه الفئة من الاشخاص منها وجوبية وتتمثل في الغرامة والمصادرة وأخرى تكميلية تتمثل في عقوبتي المنع من مزاولة نشاط مهني والحلم هذا وبقدر ما تنجح السلطات المختصة في التقاء ومنع مخططات تبييض الأموال، بقدر ما تواجه عقبات جديدة تحول دون تجسيد مكافحة فعالة لتلك الأنشطة، ولعل أهم تلك العقبات البعد الدولي لهذه الأنشطة، فقد تبين وبالدليل أن الذين يمارسون تبييض الأموال لهم من القدرات. والإمكانات ما يجعلهم يتخطون بعائداتهم الاجرامية حدود الدولة الواحدة، ولعل أنجع سبيل تم الاهتداء. اليه في هذا الخصوص هو التعاون فيما بين تلك الدول لمكافحة الجريمة، على أن ذلك يقتضي أن تتنازل تلك الدول إلى الحد الذي يمكن من خلاله الوصول إلى نوع من المواءمة أو التوفيق بين تشريعاتها الداخلية لإيجاد صياغة نهائية يتم الاتفاق بشأنها الرسم معالم هذا التعاون. خلصنا كذلك أن هذه المواثيق والأجهزة، وإن كانت قد استطاعت أن تحقق نجاحا فيما تعلق بالزام الدول بتشريع نصوص قانونية تعنى بمكافحة الجريمة ورصد هيئات خاصة تتولى منع وكشف الظاهرة، على أن عوائق أخرى حالت دون تجسيد تلك النصوص على أرض الواقع، ما جعل المشرع الدولي يفكر في استحداث اليات ملموسة لتفعيل هذا التعاون وإلى هذا حثت حل المواثيق الدولية على أن تعمل التشريعات الجنائية على تهذيب بعض المبادئ والنصوص القانونية لتجعل منها اليات المواجهة الاجرام المستحدث لاسيما أنشطة تبيض الأموال من تلك مثلا : تسليم المجرمين. الاعتراف بالأحكام الأجنبية التسليم المراقب المتحصلات الجريمة والمساعدة القانونية. أثبتت الدراسة، أنه وبالإضافة إلى الطبيعة المعقدة والمتميزة لأنشطة تبيض الأموال والتي بلا شك أسهمت إلى حد كبير في تعقيد عمليات المكافحة، وجدنا كذلك أسلوبا وقد أعد المكافحة الظاهرة، ولكن يكتنفه كثير من اللبس والغموض سواء على المستوى الدولي أو الوطني. وفي ضوء ما تقدم ولتذليل الطبيعة المعقدة لهذه الجريمة والرفع اللبس والغموض الذي يكتنف التجريم والمكافحة، ختمت الاطروحة بعرض لأهم نقاط الموضوع بالإضافة إلى بعض من التوصيات والاقتراحات والتي نأمل أن تسهم ولو بقدر متواضع في تبسيط الظاهرة وتدعيم أساليب المكافحة.

Description

Citation

Endorsement

Review

Supplemented By

Referenced By