مغني دليلة

Abstract

تمنح التشريعات الجزائية لضابط الشرطة القضائية سلطة تقييد الحرية الشخصية للفرد على سبيل الاستثناء في إطار ممارسة مهمة البحث والتحري على الجرائم من أجل اكتشاف ملابساتها وإسنادها إلى مرتكبيها من أجل تقديمهم إلى السلطة القضائية المختصة. ويتم هذا التقييد للحرية عن طريق مباشرة ما يسمى بإجراء التوقيف للنظر، والذي يعرف في فرنسا "la garde a vue". وكون إجراء التوقيف للنظر يعد أخطر إجراء يخوله التشريع لضابط الشرطة القضائية المقتضيات البحث والتحري عن الجريمة، لأن له بمقتضاه أن يقيد حرية الشخص المشتبه فيه بعيدا عن تدخل القضاء، عمد المشرع على تنظيمه في قانون الإجراءات الجزائية ليضمن أن يباشره ضابط الشرطة القضائية في إطار احترام الشرعية الإجرائية، غير أن الواقع العملي قد أثبت عكس ذلك في كثير من الأحيان، بسبب قصور النصوص الحالية، حيث يتم انتهاك حقوق الموقوف للنظر وإغفال ما يخوله المشرع من ضمانات من أجل احترام سلامته البدنية والمعنوية. ولذلك حرص المشرع الجزائري على إدخال تعديلات كثيرة ومتعددة على النصوص المنظمة لإجراء التوقيف للنظر، والواردة في قانون الإجراءات الجزائية باعتباره أهم إجراء يتيحتقييد حرية الأشخاص في مرحلة التحري وجمع الاستدلالات، غير أنه في نظرنا لم يوفق في تحقيق التوازن المنشود، وجاءت النصوص القانونية المعدلة تعبر أكثر عن المصلحة العامة للدولة، رغم أن ظاهرها يبدو منه أنه يعبر على خلاف ذلك، أي على المصلحة الخاصة للأفراد. وفي نفس السياق أدخل المشرع الفرنسي العديد من التعديلات على سلطة ضابط الشرطة القضائية في التوقيف للنظر، وما يقابلها من حقوق مقررة للموقوف للنظر، تراوحت ما بين التوسيع والتقييد وفقا للظروف الأمنية التي مرت بها هذه الدولة، وقد كان لأحكام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان الصادرة ضد فرنسا بالغ الأثر نحو إرساء المزيد من الحماية القانونية للموقوف للنظر. ولذلك وجدنا من الأهمية دراسة هذا الموضوع من أجل التعريف بحدود سلطة ضباط الشرطة القضائية في مباشرة التوقيف للنظر، وبيان شروط وحالات استخدام هذه السلطة، مع تحديد ما يقرره التشريع الجزائري من حقوق وضمانات للأشخاص في مواجهته. 2 وفي سبيل تحقيق ذلك استعنا بجملة من المناهج، وخاصة المنهج المقارن، وكان التركيز على القانون الفرنسي بالذات، لأن التشريع الجنائي الجزائري يتخذ مصدره التاريخي منه، ولأن الفقه والقضاء في الجزائر يستنير بأراء الفقه الفرنسي، وأحكام محكمة النقض الفرنسية في الكثير من المشكلات، ولأن المشرع الفرنسي نجح إلى حد كبير في وضع نظام متكامل لإجراء التوقيف للنظر. والتحقيق هذه الأهداف وجدنا من المناسب أن يكون التساؤل الأساسي الذي يطرح نفسه في هذا البحث، هو كيف يمكن الوصول إلى تجسيد الموازنة العادلة بين المصلحة العامة للمجتمع والمصلحة الخاصة للموقوف للنظر؟ ويتبع هذه الإشكالية جملة من التساؤلات الفرعية تتمثل في الأسئلة التالية: ما هي الضمانات التي تجعل ضابط الشرطة القضائية يباشر التوقيف للنظر دون أن يتجاوز القدر المتاح له في القانون؟ وهل حقوق الموقوف للنظر الواردة في التشريع الجزائري تحقق فعلا الحماية المقررة ؟ وماهي الإشكاليات المطروحة في طريق ممارسة هذه الحقوق من الناحية العملية ؟ وماهي الحلول التي يمكن أن تقترحها من أجل تعزيز حماية الموقوف للنظر في مواجهة ما يمكن أن يتعرض 4.1 حتى تصل إلى التوازن المنشود بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة. وللإجابة على هذه التساؤلات تم تقسيم خطة البحث إلى بابين رئيسيين، الأول بعنوان الإطار النظري للتوقيف للنظر، خصص لبحث التطور التشريعي لإجراء التوقيف للنظر، وكذلك الموقوف على ماهية إجراء التوقيف للنظر، وطبيعته القانونية، ونطاق مباشرته، وأما الباب الثاني والذي جاء تحت عنوان الإطار التطبيقي للتوقيف للنظر، تناولنا من خلاله ما يقره التشريع الجزائري من حقوق للموقوفين للنظر، وما يوفره لهم من ضمانات والتقدير مدى فعاليتها من الناحية التطبيقية. ولبيان قصورها قمنا بمقارنتها مع تلك الواردة في التشريع الفرنسي. وإدراكا منا بعدم فعالية النصوص القانونية دون القرار رقابة قانونية تباشرها جهة مستقلة تعرض احترامها، وتتولى تسليط العقوبات على مخالفيها، تناولنا هذه الفكرة في نهاية تقسيم الباب الثاني من خلال دراسة جهات الرقابة على ضمانات الموقوف للنظر والجزاء على إهدارها. وعلى ذلك انتهت هذه الدراسة بسرد جملة من النتائج والمقترحات التي يمكن أن تساهم في تعزيز الحماية القانونية المقررة للموقوف للنظر في التشريع الجزائري من أجل تحقق التوازن بين حق الدولة في تتبع الجناة ومعاقبتهم، وحق المشتبه فيه الموقوف للنظر في أن تصان حريته وحقوقه.

Description

Citation

Endorsement

Review

Supplemented By

Referenced By