القانون الدولي و العلاقات الدولية السياسة الخارجية للجزائر و القانون الدولي
Loading...
Files
Date
Authors
Journal Title
Journal ISSN
Volume Title
Publisher
Abstract
يتميز القانون الدولي التقليدي بكونه قانون أوروبي المنشأ و الطبيعة، فهو قانون مبني على نظرة إثنية و اقتصادية وجغرافية.
و رغم أن العلاقات الدولية شهدت في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية تغييرا تجد خصوصا في ظهور الثنائية القطبية، و انحصار السيطرة الأوروبية، إلا أن هذا التغيير لم يكن كافيا لإحداث ما تنشده. دول العالم في خصائص القانون الدولي التقليدي.
و انتظر العالم ظاهرة الحركات التحررية التي أفضت في النهاية لحصول معظم دول العالم الثالث على استقلالها السياسي، والذي ترتب عنه تغيير جذري في بنية المجتمع الدولي، ليصبح ظاهرا أن القانون الدولي التقليدي لم يعد متكيفا مع طبيعة المجتمع الدولي المعاصر .
غير ذلك رفعت دول العالم الثالث شعار تغيير القواعد المتضمنة في القانون الدولي التقليدي و استبدالها بقواعد جديدة تشارك هذه الدول في صياغتها، وكانت الجزائر من بين الدول التي سعت جاهدة للتعبير عن موقف دول العالم الثالث من القانون الدولي التقليدي، منذ مرحلة بحثها عن الاستقلال حين كان القانون الدولي مرادفا لمبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها السياسي .
و لما كانت الجزائر لم ترفض مبدئيا القانون الدولي لكونه تقليدي فقط فقد تباينت مواقف الجزائر من مختلف القواعد القانونية تبعا لمدى انطباق تلك القاعدة وتصورات الجزائر في هذا المجال، حيث سعت الجزائر جاهدة لتكريس ما رأته عادلا في قواعد القانون الدولي التقليدي و من ذلك مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها السياسي و قبلت مبدأ الحل السلمي للنزاعات الدولية.
غير أن ذلك لم يمنع الجزائر من السعي لتعديل ما رأته غير عادل في قواعد القانون الدولي التقليدي خصوصا القواعد المتعلقة بالنظام الإقتصادي الدولي، وسعت الجزائر أيضا إلى سد النقص القائم في قواعد القانون الدولي التقليدي خاصة ما تعلق منه بالقواعد التي تحكم ظاهرة الإرهاب الدولي، حيث قدمت بهذا الصدد مقاربات متعلقة بتجديد مفهومه وأخرى ذات صلة بكيفيات مكافحته.
و لما كان تناول العلاقة بين السياسة الخارجية للجزائر والقانون الدولي يتطلب ابتداءا تحديد العديد من المفاهيم فقد تم إدراج فصل مخصص لهذه الدراسة على أساسا بالمفاهيم، و رغم أن السياسة الخارجية كمصطلح يصعب تحديد مفهومه، إلا أنه يمكن تعريفها بأنها " ذلك الجزء من النشاط الحكومي الذي يعالج بنقيض السياسة الداخلية مشاكل تطرح ما وراء الحدود ، و تتميز السياسة الخارجية بطابعها الواحدي وطابعها الرسمي و الاختياري و الهدفي والخارجي و أخيرا طابعها البرنامجي" .
و تتم ممارسة السياسة الخارجية في إطار مجموعة من القواعد القانونية تتوزع بين القانون الدولي والقانون الدستوري و يؤثر في ممارسة السياسة الخارجية وتحديد التوجهات الكبرى لها مجموعة من العوامل مثل الإيديولوجية ودور المشرعون و دور الرأي العام و دور جماعات المصالحو الثقافة و التاريخ والقومية، كما أن الدولة لا تبدو حرة في ممارسة سياستها الخارجية فهي تخضع في ذلك لمجموعة من المحددات بعضها مفروض من القانون الدولي مثل خطر اللجوء على استخدام القوة المسلحة، و عدم شرعية الأعمال الانتقامية و الالتزام بالتسوية السلمية للمنازعات و عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، أما البعض الآخر من المحددات فهو مفروض على الدولة نتيجة انتمائها المنظمة دولية، ولعله من الصعب جدا دراسة السياسة الخارجية للجزائر بالنظر إلى قلة المذكرات التي يضعها القائمون على السياسة الخارجية في الجزائر، غير أن الدستور حدد الجهاز المكلف بإدارتها في المادة 77 منه، كما وضع مجموعة من المبادئ نص عليها خصوصا في المواد
132.28.27.16.15.13.12 منه
و بعد عامل إهتمام القائد السياسي بالسياسة الخارجية أهم العوامل المؤثرة في تحديد توجهات السياسة الخارجية، وتبدو العلاقة بين السياسة الخارجية و القانون الدولي في وجه منها علاقة تأثير و في وجه آخر علاقة تأثر، حيث التأثير خصوصا في أن نشأة وتطور القانون الدولي هو في النهاية وليد ممارسة الدولة لسياستها الخارجية و في طبيعة قواعد القانون الدولي وقابليتها للتعديل و في طرف تعديلها.
أما علاقة التأثر القائمة بين السياسة الخارجية و القانون الدولي فتبدو واضحة من خلال درجة الإلزام في قواعد القانون الدولي و في نظام المسؤولية الدولية وكدا في الثبات النسبي لقواعد القانون الدولي، الأمر الذي يتطلب بيانه التمييز بين القواعد الأمرة و القواعد المكملة في القانون الدولي .
هذا و قد عملت الجزائر على تكريس مبدأ الحل السلمي للنزاعات الدولية من خلال عملها على الحفاظ على السلم والأمن الدوليين المنصوص عليه في الفقرة الرابعة من المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة و هو المبدأ الذي يحتل مكانة هامة في النظام القانوني الدولي، والذي تملك الجزائر بصدده مقاربة خاصة، ترتبط ارتباطا وثيقا بالتنمية، وقد كانت أزمة الرهائن الأمريكيين في طهران نموذجا في مجال سعي الجزائر للحفاظ على السلم والأمن الدوليين ، حيث تمكنت الدبلوماسية الجزائرية من تسوية هذه الأزمة بطريقة سلمية و هو الأمر الذي جنب المنطقة صراعا عسكريا محتوما.
و لما كان مفهوم السلم والأمن الدوليين مرتبط بإعادة السلم والأمن الدوليين إلى نصابهما ، من خلا إيقاف النزاعات المسلحة في حال قيامها ، فقد سعت الجزائر أيضا لتكريس مبدأ الحل السلمي للنزاعات الدولية من خلال إعادة السلم والأمن الدوليين إلى نصابهما.
ذلك أن إعادة السلم والأمن الدوليين على نصابهما يحتل أيضا مكانة هامة في إطار القانون الدولي.
كما أن للجزائر أيضا مقارنة خاصة في هذا المجال ظهرت جلية أكثر في الحرب الإرتيرية الإثيوبية التي ساهمت الجزائر بفعالية كبيرة في إيقافها سعيا لتحقيق مبادئ و أهداف الأمم المتحدة، و لم يكن مبدأ الحفاظ على السلم والأمن الدوليين وإعادتهما إلى نصابهما هو المبدأ الوحيد الذي سعت الجزائر جاهدة لتكريسه بل أن جهدها انصب أيضا على تكريس مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها السياسي .
و يعتبر الرئيس الأمريكي "ولسن" في مبادئه الأربعة عشر، أول من أشار لهذا المبدأ حينما اعتبر أن كافة المشاكل الإقليمية يجب حلها وفقا لإرادة السكان، و بعد أن تم التنصيص عليه في ميثاق الأطلس أوت 1941 بين الرئيس الأمريكي روزفلت" و رئيس الوزراء البريطاني تشرشل" تم تضمنه في الفقرة الثانية من المادة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة.
هذا و يحتل مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها السياسي مكانة هامة على صعيد العلاقات الدولية و تملك الجزائر بصدده مقاربة خاصة، ظهرت جلية وواضحة في موقفها الثابت من قضية الصحراء الغربية التي تعتبر أكثر قضايا تقرير المصير تعقيدا في منطقة المغرب العربي، إذ ورغم اختلاف مواقف مختلف الأطراف المرتبطة بالقضية ، إلا أن موقف الجزائر من القضية الصحراوية ظل ثابتا لم يتغير ننظر إليها باعتبارها قضية تصفية استعمار، يجب أن يتم حلها في إطار ميثاق الأمم المتحدة و عملا بمبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها السياسي، لا باعتبارها صراعا إقليميا بينها و بين المملكة المغربية مثلما تسعى هذه الأخيرة لتصويره و تقديمه للرأي العام العربي والعالمي .
غير أن موقف الجزائر من القانون الدولي تجسد بالإضافة إلى سعيها لتكريس قواعد القانون الدولي في المطالبة بتعديل بعض قواعده، و كذا محاولتها الإسهام في إرساء قواعد جديدة تحكم بعض الظواهر المعاصرة كظاهرة الإرهاب الدولي.
فقواعد النظام الاقتصادي الدولي تميز بقيامها على مجموعة من عناصر الجور، تتمثل أساسا في الاختلاف بين الطبيعة التقليدية لقاعد القانون الاقتصادي الدولي وبنية المجتمع الدولي المعاصر، ثم أن الجور في النظام الدولي الاقتصادي التقليدي متصل بتقسيم الأدوار بين الدول المتقدمة و الدول المتخلفة كما تشكل المديونية التي تثقل كاهل الدول المتخلفة عنصرا آخر من عناصر الجور في النظام الدولي الاقتصادي ، ولعل كل هذا راجع إلى أوليغارشية النظام الاقتصادي على اعتبار أن نشأة هذا الشق من القانون الدولي كان متماشيا مع إرادة الدول التي كانت تصف نفسها بالتمدن، إضافة إلى تسلط القانون الدولي.
و رغبة في إحداث نوع من القوانين في قواعد القانون الدولي الاقتصادي فقد طالبت الجزائر شانها في ذلك شأن دول العالم الثالث بإدخال تعديلات عليه، وقدمت الجزائر في هذا الصدد مقاربات لها صلة تحديد تصورات العدل في النظام الاقتصادي.
حيث أسست تصورها على مجموعة من العناصر هي سيطرة دول العالم الثالث على ثرواتها الطبيعية الشيء الذي يسمح لها بتحقيق نمو اقتصادي مضطرد، وهو الأمر الذي يرتبط بالعنصر الثاني المؤسس على سماح الدول المتقدمة بنقل التكنولوجيا لدول العالم الثالث .
غير أن تحقيق العدل في النظام الدولي الاقتصادي مرتبط أيضا بإصلاح هياكل النظام النقدي، خاصة صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي للإنشاء والتعمير على اعتبار أن هاتين المؤسستين الدوليتين ساهمتا في شكل كبير في إغراق دول العالم الثالث في بحر من الديون الخارجية .
ولما كان تحقيق العدل في النظام الدولي الاقتصادي مرهون أيضا بالدفاع عن مصالح هذه الدول بصورة جماعية ، فقد أسست الجزائر مطالبها بإقامة نظام اقتصادي دولي عادل على الدفاع عن مصالح دول العالم الثالث بصورة جماعية، من خلال التكتل في إطار منظمات إقليمية مبنية على أسس جغرافية أو اقتصادية و لما كانت الدول المتقدمة هي المتسبب أصلا في تخلف دول العالم الثالث فقد طالبت الجزائر هذه الدول بتقديم مساعدات اقتصادية لدول العالم الثالث تعويضا لها عن سنوات الاستعمار.
و لما كان القانون الولي التقليدي عاجزا عن حكم كثير من الظواهر المعاصرة، كظاهرة الإرهاب الدولي، فقد سعت الجزائر شأنها شان باقي دول العالم الثالث في إرساء قواعد جديدة تحكم ظاهرة الإرهاب الدولي.
و لما كان الاختلاف بخصوص هذا الموضوع متصلا من جهة بتحديد مفهوم الإرهاب و من جهة أخرى بتحديد سبل مكافحته و قد قدمت الجزائر تصورات مزدوجة، حيث يستنتج من الخطابات الرسمية لمختلف المسؤولين أن إدارة السياسة الخارجية للجزائر أن المقاربة الجزائرية في تحديد مفهوم الإرهاب ترتكز على أربع عناصر سياسية .
الإرهاب بالنسبة للجزائر مساس بحقوق الإنسان و مساس أيضا بحقوق الشعوب على اعتبارات الإرهاب إنما يستهدف في النهاية المساس بالحق في الحياة و هو أهم و أول حقوق الإنسان على الإطلاق و رغم أن مفهوم الإرهاب ارتبط بالدين الإسلامي إلا أن الجزائر ما فتئت تفند هذا التوجه معتبرة أن ارتباط الإرهاب بالدين الإسلامي الحنيف لا أساس له من الصحة، ما دام الدين الإسلامي من خلال تعاليمه لا يحث بتاتا على مثل هذه الأعمال، غير أن سعي الجزائر لنفي الإرهاب عن الدين الإسلامي الحنيف لم يكن بهدف إلصاقه بدين آخر و بطائفة أخرى، فالإرهاب بالنسبة للجزائر لا دين له و لا طائفة.
ثم أن الإرهاب يختلف جذريا عن المقاومة المسلحة فالإرهاب لا يستهدف تحصيل حق مشروع، بينما تستخدم الحركات التحررية المقومة المسلحة دفاعا عن حقها المشروع في تقرير مصيرها السياسي و عليه فإن المقاومة المسلحة تختلف جذريا عن الإرهاب.
و لما كانت الدول الغربية من خلال وسائل الإعلام تسعى لتضليل الرأي العام العالمي بخصوص من يستهدفهم الإرهاب، فقد سعت الجزائر لتوضيح أن الإرهاب لا يستثني أحدا.
ذلك هذا بخصوص عناصر المقاربة الجزائرية في مجال تحديد مفهوم الإرهاب، غير أن الجزائر مع تملك مقاربة خاصة في مجال تحديد سبل مكافحة الإرهاب.
فالإرهاب بالنسبة للجزائر تتطلب محاربته تعاونا دوليا ثم أن محاربته يجب أن تتركز أساسا على القضاء على أسبابه ، و ترتبط محاربة الإرهاب أيضا بالتنمية على اعتبار أن الأوضاع الاقتصادية في بلدان العالم الثالث تشكل دافعا أساسا في مجال الإرهاب، هذا و قد لجأت الجزائر إلى سياسة المصالحة الوطنية بغرض تقليص آثار الإرهاب مستقبلا .
إن السياسة الخارجية لأية دولة في العالم ، لم يعد مجالا تستأثر به السلطة السياسية بل أصبحمجالا للنقاش بين مختلف الفاعلين في الساحة ، حتى أنها أصبحت من الأهمية بمكان بحيث يؤدي اتباع سياسة خارجية غير متوافقة مع مواقف الشعوب إلى إسقاط حكومات مثلما حدث في إيطاليا وإسبانيا
هذا الأمر الذي دفع باتجاه الانتشار غير المسبوق لمعاهدة الدراسات المتخصصة في السياسة الخارجية. غير أن الجزائر لازالت بعيدة عن المقاييس العالمية في هذا المجال، فالمشرع الدستوري الجزائري لم يول عنايته لتنظيم هذا القطاع في دستور 1996 بحيث لم يخصص له فصلا مستقلا، ما يجعل القواعد المتناثرة في الدستور والتي تعنى بتنظيم السياسة الخارجية صعبة التحليل، حيث أن استقراءها لا يبين بأي حال التوجه العام للسياسة الخارجية في الجزائر، و لعل الأمر أصبح معقدا في مجال ممارسة هذه السياسة ، بالنظر للصعوبات التي تكتنف عملية تفسير هذه المواد .
فالمادة 77 من الدستور والتي تمنح رئيس الجمهورية صلاحية تحديد السياسة الخارجية وتوجيهها لا تمنحه سلطة ممارستها، بل سلطة الإشراف على من يمارسها، ثم أن محاولة فهم السياسة الخارجية من خلال الممارسة عن طريق المذكرات التي يكتبها المسؤولين عن هذا القطاع تصطدم بانعدام هذه المذكرات بسبب التوجه نحو اعتبار كل شؤون الحكم في خانة أسرار الدولة و على هذا الأساس، أصبحمن الواجب دفع القائمين على هذا القطاع لكتابة مذكراتهم، وإنشاء معاهد متخصصة في دراسات السياسة الخارجية، وكذا إيلاء العناية اللازمة لقطاع السياسة الخارجية في التعديل الدستوري المرتقب من خلال تخصيص فصلا كاملا له، على أن يتولى المتخصصين في مجال القانون الدولي و العلاقات الدولية وضع هذا الفصل لتفادي العيوب في الصياغة التي مست المواد المتعلقة بالسياسة الخارجية في إطار دستور 1996
ثم أن قطاع السياسة الخارجية على غرار ما يحدث في الدول المتقدمة يجب أن يكلف بمهام إقتصادية عوض الاكتفاء بالمهام القنصلية البحتة
